أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

7

العقد الفريد

شعارا ودثارا « 1 » ، وجنّة دون كل بلاء . الأصمعي قال : خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق ، فقالت : يا رب ، أخذت وأعطيت وأنعمت وسلبت ، وكل ذلك منك عدل وفضل ، والذي عظّم على الخلائق أمرك ؛ لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك ، ولا بذلت رغبتي إلا إليك يا قرة أعين السائلين ، أغنني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته ، وأتقلب في رواق نضرته ، احملني من الرجلة « 2 » ، وأغنني من العيلة ، وأسدل عليّ سترك الذي لا تخرقه الرماح ، ولا تزيله الرياح ، إنك سميع الدعاء . قال : وسمعت أعرابيا في فلاة من الأرض وهو يقول في دعائه : اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم ، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز ! إلهي كم تحببت إليّ بنعمتك وأنت غنيّ عني ، وكم أتبغّض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك ! سبحان من إذا توعد عفا ، وإذا وعد وفى . قال : وسمعت أعرابيا يقول في دعائه : اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرّك ، وإن رحمتك إياي لا تنقصك ؛ فاغفر لي مالا يضرك ، وهب لي مالا ينقصك . قال : وسمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه : اللهم إني أسألك عمل الخائفين ، وخوف العاملين ، حتى أتنعم بترك النعم طمعا فيما وعدت ، وخوفا مما أوعدت اللهم أعذني من سطواتك ؛ وأجرني من نقماتك ؛ سبقت لي ذنوب وأنت تغفر لمن يتوب ؛ إليك بك أتوسل ، ومنك إليك أفرّ . قال : وسمعت أعرابيا يقول : اللهم إن أقواما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أمّلوا ، وقد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أمّلناه . قال : ورأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء وهو يقول رب ،

--> ( 1 ) الدثار : الثوب الذي يكون فوق الشّعار ، والشعار ما ولي جسد الانسان دون ما سواه من الثياب ( 2 ) الرّجلة : المشي راجلا .